محمد بن جعفر الكتاني

311

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان الشيخ يوما مع أصحابه ، إما في حضرة أو غيرها ، فقال لهم مشيرا إليه : « ذهب بها الأصلع » . وكان هو الأصلع من بينهم ، إذ لم تكن له جمة ولا وفرة ، بل كان رأسه أملس لا ينبت شعرا . وقيل : إن الشيخ لما دنت وفاته ؛ أغمي عليه ، ثم أفاق ؛ فقال : « من بالباب ؟ » ، فقيل له : « الشاوي » ، فأعاد مرارا ، ثم قال : « لا إله إلا اللّه ؛ ما أراد اللّه إلا الشاوي » . فتوفي الشيخ . وكان صاحب الترجمة هو الوارث لحاله وسره . ومن حينه تصدى لتربية المريدين ، ورفع الراية للزائرين ، وأتته الدنيا راغمة من تكسبه بالزرع والماشية ، ومما يأتي به إليه الناس من الهدايا ، حتى قيل : إنه كال أربعين مدا من الذهب فكان يصرفها في وجوه الخير ولا يبالي ، ويفعل المصالح فحبس أوقافا كثيرة حتى ؛ إن الأحباس كثرت بسببه ، وبنى قنطرة ابن طاطو خارج باب بني مسافر لما أفسدها السيل ، وأصلح ماء جامع الأندلس الجاري من ناحية باب الحديد ، بالحاء المهملة ، وجدد القوس [ 275 ] الذي يمر عليه في باب الجديد ، بالجيم ، فصرف على الجميع سبعة آلاف أوقية ، وصرف ذلك بعد موته ، لكونه عين العدة في حياته ، وكان آخر أعماله الصالحة ومتاجره الرابحة رضي اللّه عنه ونفعنا به . وكانت له خمس زوايا يطعم فيها الطعام ، وكان له بكل واحدة منها تلامذة وأصحاب كثيرون يعمرونها بإقامة الصلوات فيها وقراءة الأحزاب وذكر اللّه عزّ وجل ، وكان يطعم الطعام في سائر الأيام ويكثره في المولد النبوي ، فيكون عنده مثل الوليمة فرحا به . وكان حاله : الأخذ والإعطاء ، يعطي كثيرا ويدل على الإعطاء ، حتى إنه ليقول لبعض القبائل المتعلقين به ؛ « إذا رفعتم طرفا من اللحم في أيديكم ؛ فاجعلوا منه عظما للشاوي » . يعني نفسه . وظهرت له كرامات وخوارق ومكاشفات لا تدخل تحت حصر . ولم تزل كراماته مستمرة من موته إلى الآن ، يرى كثير من الناس منها العجائب . وشهد له الأكابر من أهل وقته بالخصوصية ؛ كسيدي أبي الشتاء دفين أمركو من بلاد فشتالة ، حتى إنه ارتحل من أجله من بلاد كربال ، التي بها إحدى زوايا صاحب الترجمة ، بعد ما شرع في بناء زاوية بها وأشرف على التمام قبل أن يبني الزاوية التي له إلى الآن بأمركو من فشتالة ، وترك الموضع له . فقيل له في ذلك ؛ فقال : « إن هنا رجلا يقال له : الشاوي فاتك غيور ، واللّه لا يترك أحدا منكم يمر على هذه الطريق ويقطع هذا المشرع ! » ، يعني : مشرعا من مشارع وادي سبو ، قرب البناء الذي كانوا أحدثوه هنالك .